محمد أحمد خلف الله
84
الفن القصصي في القرآن الكريم
تصويره لوفاة سليمان عليه السلام فقد قال تعالى فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ « 1 » فقد قصد القرآن وقد عرض للجن بالحديث في أثناء قصّه أشياء عن سليمان عليه السلام أن يحارب الفكرة الجاهلية الشائعة في الجزيرة العربية وقت البعثة المحمدية من أن الجن تعرف أخبار السماء وتطّلع على الغيب وتلقي ما تعرف من ذلك على العرّافين والكهّان فقد كانت هذه الفكرة من العقبات القوية إن لم تكن أولى هذه العقبات في سبيل النبي عليه السلام وإثبات نبوّته فلقد كان القوم يذهبون إلى أن الشياطين تملي عليه ما يقول وأنها تسمع هذا الذي تمليه من السماء وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ * وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ « 2 » . وهكذا نستطيع أن نمضي في حصر الظواهر التي تثبت لنا مذهب القرآن القصصي والتي تدل دلالة قوية على أن بعض ظواهر الحرية الأدبية التي يمنحها الأدباء لأنفسهم توجد في القرآن الكريم وأن القرآن قد قصد إليها ولكننا نريد أن نقف من كل ذلك عند قصتين اثنتين كانتا موطن اختبار النبي عليه السلام لمعرفة صدقه من كذبه أو معرفة هل هو نبي أو متنبّي وهما قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين فإن هاتين القصتين تقدّمان لنا الدليل القوي على المذهب القرآني في العلاقة بين القصة والتاريخ . أما قصة أصحاب الكهف فنقف منها في هذا الموطن عند مسألتين الأولى مسألة عدد الفتية والثانية مدة لبثهم في الكهف . أما من حيث العدد فليس يخفى أن القرآن لم يذكر عددهم في دقة وإنما ردّد الأمر بين ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ و خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ و سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ « 3 » . وليس يخفى أيضا أن القرآن الكريم قد ختم هذه الآية بتلك النصيحة التي يتوجّه بها إلى النبي عليه السلام وهي قوله تعالى قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ
--> ( 1 ) سورة سبأ ، الآية 14 . ( 2 ) سورة الشعراء ، الآيات 210 - 212 . ( 3 ) سورة الكهف ، الآية 22 .